معرفة النفس
مع أن سقراط دعى إلى معرفة النفس لكنه لم يعط تعريفاً واضحاً لها.لكن ابن سينا فاقه في هذا المجال على الأقل بتعريف النفس بأنها جوهر قائم بذاته، لا عرض من أعراض الجسم (الشفاء ج 1، ص 285) وبأنها جوهر وصورة في آن واحد: جوهر في حد ذاته، وصورة من حيث صلتها بالجسم (الشفاء ج1، ص 279). ويقول في الاشارات (القسم الثاني ص 324) بأن النفس جوهر روحاني قائم بذاته وهو أصل القوى المدركة والمحركة للمزاج، هذا هو الجوهر الذي يتصرف في اجزاء البدن.
يذكر ابن سينا في الشفاء:”الجسم محتاج إلى النفس تمام الاحتياج في حين انها لا تحتاج إليه في شيء. ولا يتعين جسم ولا يتحدد الا اذا اتصلت به نفس خاصة. بينما النفس هي هي سواء اتصلت بالجسم أم لم تتصل به. ولا يمكن أن يوجد جسم بدون النفس لأنها مصدر حياته وحركته. وعلى العكس، تعيش النفس بمعزل عن الجسم. ولا أدل على هذا من انها متى انفصلت عنه
تغيّر وأصبح شبحاً من الأشباح، في حين أنها بالانفصلال والصعود إلى العالم العلوي تحيا حياة كلها بهجة وسعادة. فالنفس اذن جوهر قائم بذاته”.
يستنتج من هذا التعريف أن اتصال النفس بالجسم هو اتصال عرضي كما قال افلاطون ومن بعده أفلوطين، لا اتصال جوهري كما فهمه ارسطو. اذ أن ارسطو لا يعتبر النفس جوهراً قائماً بذاته ولا الجسم أيضاً جوهراً قائماً بذاته ولكن من اتصال النفس بالجسم يتكون جوهر الانسان فالنفس في رأي ارسطو هو الصورة والجسم هو الهيولى وباتحاد الصورة، اتحاداً جوهرياً يكون الانسان. لكن ابن سينا اعتبر النفس جوهراً قائماً بذاته واتحادها بالجسم هو اتحاد عرضي وهي التي تعطي الجسم صورة الانسان.
اذن النفس مغايرة للبدن عند ابن سينا. وقال أنها لا تموت بموت البدن ولا تقبل الفساد أصلا على أساس أن النفس جوهر بسيط والبسط لا ينحل ولا ينعدم. اذن، النفس خالدة مصيرها لا يتبع مصير البدن المركب والقابل للانحلال.
في رسالة ابن سينا في معرفة النفس الناطقة وأحوالها يكتب ثلاثة فصول. الفصل الأول: في اثبات أن جوهر النفس مغاير لجوهر البدن. والفصل الثاني في بقاء النفس بعد فناء البدن. والفصل الثالث في مراتب النفوس في السعادة والشقاوة بعد مفارقة النفس عن البدن.
يقول أن أهم المطالب هو معرفة الانسان نفسه وما يؤول إليه حاله بعد الارتقاء، وأيضاً فان معرفة النفس مرقاة إلى معرفة الرب تعالى كما اشار إليه قائل الحق بقوله”من عرف نفسه فقد عرف ربه” (هذا حديث نسبه ابن سينا إلى علي بن ابي طالب وذلك في كتاب المباحثات مخطوط بالقاهرة رقم 397 ص 1.
ولو كان المرد بالنفس في هذا الحديث هو هذا الجسم لكان كل احد عارفاً بربه، أعني خصوص معرفة.
قال في الفصل الأول: المراد بالنفس ما يشير اليه كل احد يقوله “أنا”، وقد اختلف اهل العالم في أن المشار إليه بهذا اللفظ هو هذا البدن المشاهد المحسوس أو غيره. أما الأول فقد ظن أكثر الناس كثير من المتكلمين أن الانسان هو هذا البدن وكل أحد فإنما يشير اليه بقوله “أنا”، فهذا ظن فاسد لما سنبينه
البرهان الأول
تأمل أيها العاقل في انك اليوم في نفسك هو الذي كان موجودا جميع عمرك حتى انك تتذكر كثيرا مما جرى من احوالك فأنت اذن ثابت مستمر لا شك في ذلك وبدنك واجزاؤه ليس ثابتاث مستمرا بل هو ابدا في التحلل والانتقاص..
لهذا لو حبس عن الانسان الغذاء مدة قليلة نزل وانتقص قريب من ربع بدنه فتعلم نفسك أن في مدة عشرين سنة لم يتق شيء من اجزاء بدنك وانت تعلم بقاء ذاتك في هذه المدة، بل جميع عمرك فذاتك مغايرة لهذا البدن واجزائه الظاهرة والباطنة. فهذا برهان عظيم يفتح لنا باب الغيب فان جوهر النفس غائب عن الحواس والأوهام فمن تحقق عنده هذه البرهان وتصوره في نفسه تصوراً حقيقياً فقد ادرك ما غاب عن غيره.
البرهان الثاني:
هو أن الانسان اذا كان مهتما في امر من الامور فانه يستحضر ذاته حتى انه يقول اني فعلت كذا أو فعلت كذا، وفي مثل هذه الحالة يكون غافلا عن جميع اجزاء بدنه والمعلوم بالفعل غير ما هو مغفول عنه، فذات الانسان مغايرة للبدن.
البرهان الثالث:
هو ان الانسان يقول ادركت الشيء الفلاني ببصري فاشتهيته أو غضبت منه، وكذا يقول اخذت بيدي ومشيت برحلي وتكلمت بلساني وسمعت بأذني وتفكرت في كذا وتوهمته وتخيلته، فنحت نعلم بالضرورة أن في الانسان شيئاً جامعاً يجمع هذه الادراكات ويجمع هذه الافعال، ونعلم أيضاً بالضرورة أنه ليس شيء من اجزاء هذه البدن مجمعاً لهذه الادراكات والافعال فانه لا يبصر بالاذن ولا يسمع بالبصر ولا يمشي باليد ولا يأخذ بالرجل، ففيه شيء مجمع لجميع الادرااكات والافاعيل (الالهية)، فأذن الانسان الذي يشير إلى نفسه “بأنا” مغاير لجملة اجزاء البدن، فهو شيء وراء البدن. ثم نقول أن هذا الشيء الذي هو هوية الانسان ومغاير لهذه الجثة لا يمكن أن يكون جسماً ولا جسمانياً لأنه لو كان كذلك لكان أيضاً منحلا سيالا قابلا للكون والفساد بمنزلة هذا البدن فلم يكن باقياً من أول عمره إلى آخره، فهو اذن جوهر فرد روحاني.
هذا موجز كلام ابن سينا عن النفس. وهذا هو معنى وجوهر الفكر الهندي بحكمته (أهَمْ بْرَهْماسْمي) أي أنا بْرَهْمَن و برهمن باللغة السنسكريتية هو النور الروحي الصفي….

17 مايو, 2009 الساعة 9:55 م
ما اعظم هذه الكلمات…وما اعظمه موقع
موقعكم هذا….اتمنى بالحاح التوسل..التواصل
من جانبكم…معى باى معلومات
تفيدنى..للانضمام…اليكم
ملحوظة…انا لا ادرك سوى
اللغة العربية..
عظيم تحياتى لكم..ارجوا منكم الاهتمام
و شكرا.
8 أغسطس, 2009 الساعة 10:45 ص
فعلا هذا موقع رائع وهدية من اللة للحيارى.لكننا كاناس نعيش فى دول عربية سيظن اغلبية من حولنا اننا مختلين عقليا عندما نتحدث معهم عن تناسخ الارواح وازلية الروح والحيوات السابقة فهذة معلومات غريبة على العقل العربى.نرجو من العبقرى صاحب هذا الموقع تذويدنا بمواضيع حول الديانتين المسيطرتان على العقل العربى وهما المسيحية والاسلام لكى نستطيع مجادلة اهلهما. شكرا
8 أغسطس, 2009 الساعة 2:39 م
عزيزي اسلام. مفهوم التناسخ كان موجوداً عند اليونانيين وما زال موجوداً في بعض الطوائف اليهودية كما كان موجوداً في المسيحية الاولى عند أرويجين لكن رفضه اوغسطين فيما بعد وقال بالحياة الدنيوية الواحدة ثم التزمت الكنيسة به. كما كان التناسخ موجوداً عن العرب قبل الاسلام ومن بين المسلمين قبلته طوائف مثل العلوية أو الاسماعيلية وطائفة الدروز الموحدين لكنهم يسمونه التقمص ويعني أن الانسان يرجع في جسم انسان فقط حتى يوم القيامة. التناسخ مستند إلى قانون السببية العلمي وهو أن لكل فعل ردة فعل معادلة وحصيلة أفعال الانسان في عمره تقرر حصيلة رداتها ويرجع في جسم حسب ما قدم من عمل. وبالتالي، الانسان هو صانع قدره بعمله ويوضح عدالة وجود تفاوت بين الجميع حتى في العائلة الواحدة وهو ما عجزت الاديان عن توضيح كيف يولد احد اعمى وآخر مشلول وقبيح ووسيم وقوي وضعيف وملك ووضيع. هذا التفاوت هو حصيلة ما قدم الفرد من أعمال خير وشر. يجازى خيراً بخير وشر بشر. وهذا سبب امتناع اتباع الاسفار الفيدية القديمة عن اكل اللحوم حتى لا يرجعون في اجسام ضحاياهم الحيوانية.
لذلك، الجهل عن التناسخ هو جهل بالعمل وردة فعله وهذا معلوم في القرآن “مثقال خير يرى ومثقال شر يرى” لكنه مجهول في المسيحية وهذا سبب تكذيب المسيحية لمبدأ الثواب والعقاب لأن الثواب عندهم بسيط وهو قبول المسيح مخلصاً ودخول الجنة الابدية بينما رفضه هو دخول الجحيم الابدي وهذا منطق بدائي ينم عن بساطة فكرية.