بحوث ودراسات: الكنعانيــون.. الديـــن والبنيـــة الذهنيـــة

يوسف يوسف                                                                                                  القسم الأول
تلتقي الديانات القديمة  في  تصوراتها  بما يسمى بـ(مجمّع الآلهة). والكنعانيون مثل غيرهم من الأقوام القديمة المحيطة بهم، كانت لهم تصوراتهم التي أثرت  وتأثرت بما حولها من الديانات. وهذا أمر طبيعي، خصوصا بين أقوام هذه المنطقة، ذلك لأن عوامل الالتقاء بينها  أقوى  من عوامل  التنافر، وتظل  هي الأقوى، لأسباب جغرافية، وأخرى غيرها عرقية. فالغالبية من هذه الأقوام  نزحت من شبه الجزيرة العربية، التي ظلت الخزان الذي تخرج منه الهجرات المتعاقبة، وبسبب هذا الالتقاء فإننا نرى التشابه في المفاهيم، وإن تباينت الصياغات أحيانا.

وبخصوص الكنعانيين وآلهتهم، فإن الإله (أيل)  يوضع عادة في رأس القائمة، وهو رئيس مجمع الآلهة، أي كبيرها. ويوصف عادة بأنه رب السموات والأرض وبقية المخلوقات. إنه أيضا المتعالي، الذي يحتجب فوق كرسيه في السماء السابعة. وقد انتشرت عبادته  بين مختلف عشائر الكنعانيين، ابتداء من الألف الثالثة قبل الميلاد. وهناك أيضا ضمن المجمع الإلهي، الإلهة أشيرة أو شعيرة، وهي الأم الكبرى، وزوجة أيل، وترمز للخصب  والعطاء.  أيضا هناك الإلهة عناة، التي هي ابنة أيل، وتلقب بالعذراء تارة، وبالخطّابة-التي تخطب الفتيان والفتيات بعضهم للبعض الآخر- تارة أخرى. وهي إلهة الحب التي يقوم على أكتافها الحفاظ على الأسرة الكنعانية، وهي التي تحافظ على الأخلاق بصورة عامة. وهناك الإله بعل، الذي هو رب المطر والسحاب  والصواعق ، وهو سيد الزراعة الذي يحارب بضراوة. وإلى جانب هؤلاء هناك آلهة أخرى عديدة. والكنعانيون إجمالا سبقوا أمم العالم طرا في نشر أرقى ديانات الأمم السامية الوثنية، لذلك كان تأثيرهم الديني لا يقل عن تأثيرهم العلمي والصناعي. ويأخذ الدكتور أحمد سوسه عن الشيخ نسيب الخازن قوله: لم تكن أخلاق   الكنعانيين مهيأة للغزو والتقتيل، فقد كانت ديانتهم وملامحهم وآدابهم تدور حول أبوة الواحد (أيل) الذي يوصف غالبا بالخالق الجبار.
وتكمن أهمية الديانة الكنعانية كذلك، في أنها جاءت كأساس للاهوت التوحيدي الذي وصلنا مع الديانات السماوية الثلاث. وإلى  هذا يقول العلامة (شافر). إن ما يسبغه الكنعانيون من نعوت التعظيم والتفوق لإله واحد فوق الجميع، يدل دلالة واضحة على ميلهم  إلى تقبّل عقيدة التوحيد، بل إن التوراة نفسها التي صبّت  عليهم اللعنات، تشير إلى وجود قبيلة كنعانية كانت تؤمن بعقيدة  التوحيد. وفي اعتقادنا فإن هذا كله، يرتبط بنضوج البنية الذهنية عندهم. إن نضوج البنية الذهنية وكما نرى، ينعكس على البعد العقيدي في حياة أي مجتمع، أو بتعبير آخر، فإن رقي الحالة العقيدية، يتناسب طرديا مع سمو البنية الذهنية وتطورها. فإذا كانت الثانية متطورة، فإن الاولى العقيدية ان  تكون كذلك، والعكس صحيح كذلك.
عند البحث في بدايات الفكر اللاهوتي في أي من الحضارتين الكنعانية أو السومرية،نكتشف كما يقول يوسف حوراني أن النظرة اللاهوتية لم تكن خيالية غيبية، كما هي الحال في الفكر الهوميري مثلا، بل كانت انفعالا حيا يسود يوميات حياة الانسان، وينظم شؤونه وعلاقات مجتمعه، وكانت تلك الديانتان تستوعبان جميع ميول الانسان الواقعية والتجريدية معا، فتحل محل مفاهيم العلم وتصنيفاته لمبادئ الطبيعة، كما تحل المفاهيم التجريدية كالحق والعدالة وقوانين الدولة وقيم السلوك. وإلى ذلك فإن أيل المتعالي المحتجب، يوصف في التراتيل الشعرية الكنعانية، بأنه  هو الذي يبعث المطر، فيجعل الأودية تفيض عسلا. ولقد تعامل الذهن الكنعاني مع أيل باعتباره فكرة مطلقة ، لها ارتباط بنواميس الطبيعة، وغير ذلك مما يكشف ابتعاده  عن العواطف والأهواء في الوقت الذي يبدو فيه قادرا على فعل كل شيء.
لقد اعتقد الكنعانيون بأن كلا من الآلهة والانسان وكذلك الكون قد خلقت جميعها في الوقت نفسه، على يد إله واحد، أزلي قديم، هو الإله(يم). وأما عملية تشخيص الآلهة على هيئة بشر، وقيامهم بما يقوم به البشر، فإنها عملية مجازية، ترتبط بعلاقة الدين الكنعاني بقوى الطبيعة، ولكن دون أن يقود هذا التشخيص إلى ظهور عقائد خرافية أو مبالغات خيالية. ولأنهم على سبيل المثال يبحثون عن علاقة هذه القوى بالزراعة، فقد عبدوا في بواكير حياتهم الدينية الشمس لارتباطها بالنمو، كما عبدوا الأرض وجعلوها إلهة  تتعهد شؤون الزراعة والخصب. وعلى الرغم من أن الكنعانيين كما تشير العديد من الآثار، كانوا يقيمون لبعض آلهتهم تماثيل ونقوشا ورسوما، أو أنهم كانوا يجسدونها في هيئة الانسان الذي له هيبة إلهية، إلا أنهم كانوا ينفرون من عبادة الأصنام أو التماثيل في أشكالها الظاهرة للعيان، وهي مداخل يتم العبور من خلالها إلى قيم عليا في الحياة، فكيف نفهم علاقة الشعب الكنعاني بآلهته؟
لا تقتصر الديانة الكنعانية على تسميات بعينها كمثل: مجمع الآلهة، إله الأموات، إله الأجداد، إله المطر والسحاب وغيرها من الآلهة، ولا على طقوس بعينها كذلك كمثل: الصلاة، الشكوى والتضرع بصوت مرتفع، التطهر، تقديم القرابين ، وسواها ، وإنما لها نظرتها الحاصة للاله أيل الأعلى المتعالي المحتجب، وللشعب-شعب أيل الأبدي، وللعلاقة بينهما كثنائي يدور حول فكرة: مخافة الآلهة هي في نهاية الزهو. وإلى ذلك أيضا فإن الأسطورة الأوغاريتية-الكنعانية تتجه لتفسير الطبيعة وموجوداتها بطريقة تروي توق الانسان الكنعاني لرؤية   الخصب في كل من الأرض والحيوان والانسان جميعها معا، ودوام اتصال دورة الطبيعة. وقد صيغت الأسطورة الكنعانية لذلك في قالب حركي، مليء بالفعل، بفضل الذهنية البعيدة كل البعد عن التجريد. لذلك نجد الآلهة التي تمثل تشخيصا لظواهر الطبيعة، وغيرها مما ترتبط بالواقع الاجتماعي، تقوم دوما بأفعال حركية متعاقبة ، دون أن تتوقف وعلى غرار ما نراه في كل من (يم) و(بعل) و(أشيرة) و(عناة)..إلخ.
لقد كانت للديانة الكنعانية سلطتها الكبيرة على الفرد والمجتمع. وهي بسبب هذه السلطة، تركت تأثيراتها   حتى على أدق التفاصيل في حياة الكنعانيين، الذين كانوا يذعنون إليها بأريحية بالغة، وبدون أي إحساس بكونها ديانة تمارس العسف معهم. وعلى هذا فإن أثرها لا يتوقف عند الجانب المعنوي الأخلاقي، وإنما امتد ليجد انعكاسه في السلوك، ومن هنا يتم الحديث عن واقعية الديانة الكنعانية ، وهي الصفة التي بسببها ابتعدت عن المثالية الخرقاء.
من بين أبرز ما يطالعنا في المشهد الديني  لفلسطين الكبرى(سوريا، لبنان، فلسطين) هو آلاف من التماثيل الأنثوية الصغيرة، على هيئة جذع ورأس ونهدين عاريين، وجدت في كل موقع أثري تقريبا، سواء في المعابد والمقامات الدينية، أو في بيوت الناس العاديين. وبالطبع فإنه ليس من المعقول النظر إلى هذه التماثيل بمعزل عن عقيدة الخصب التي سادت آنذاك، وآمن بها الكنعانيون  هم الآخرون.وإلى هذا الفهم، ينقل فراس السواح الباحث والمؤرخ المعروف عن وليام ديفر قوله: إن مهمتي كعالم آثار هي أن أفهم هذه التماثيل في سياقها الزمني.  وبما أننا لا نصنفها في زمرة الدمى العادية، فإنني أعتقد بأنها تماثيل خصب أنثوية ، وأنها تمثل الإلهة عشيرة التي نعرف عنها الكثير. أما لماذا عشيرة ؟ فذلك لأن الكنعانيين  كانوا يعتقدون كما ذكرنا، بأنها أم الآلهة، ومرضعتها جميعها، ولأنهم يرون فيها إلهة  للحب، وراعية للأمهات  في أيام الحمل والولادة، ولأنها في اعتقادهم ترعى شؤون الأسرة.
تذكرنا إشارة وليام ديفر إلى تماثيل الخصب الأنثوية، بتلك الفرية الكبيرة التي حاولت الدراسات التوراتية إلصاقها بالديانة الكنعانية ، ونقصد اتهامها لها  بأنها إحدى عقائد الخصب الهابطة،  وهذه التهمة كما يجمع  مفكرون كثيرون ممن درسوا الديانة الكنعانية، مجرد أكذوبة، الغاية منها تشويه هذه الديانة لأسباب سياسية، وليس لغيرها من الأسباب التي يمكن أن يقبلها العقل. فالدين عند الكنعانيين يظهر دوما كمؤسسة اجتماعية أخلاقية، تعنى بوقائع يوميات الانسان، وهو يصون قيمه، ويحمي ضعفه، ودوما، فإنه لم يكن يعني الخرافات والقصص الخيالية بين الآلهة، دون ضابط منطقي أو مبرر فني تشخيصي يميز بين الجوهر والشكل كما لدى الاغريق، بل إن الآلهة عند الكنعانيين لم تكن تخوض الحروب رغبة فيها أو لاستعراض قوتها، وإنما لتحقيق أشياء يسعى الناس لتحقيقها. هذا ما نراه في حروب عناة على وجه التحديد، من أجل إنقاذ مملكة أوغاريت، وما نراه أيضا في أسباب حروب بعل هو الآخر. كل هذا لأن الفكر الكنعاني ينطلق من الوجود ذاته. وأما ما يبدو لنا من أفكار غيبية، فليست سوى  أطر تضم هذا الفكر. وتبدو لنا أخيرا في هذا الدين، الرغبة في زرع الحب والوئام في نفوس الناس، والعمل على إبعادهم عن الحروب والعدوان، وإذا ما صادف وحدث الخطأ في حياة إنسان ما، فإن هذا الدين سرعان ما يدفعه للبحث عن أفضل الطرق للتطهر من الآثام، عبر طقوس الديانة بالطبع، كالصلاة والشكوى لــ”أيل” بتقديم القرابين والذبائح وقرع الطبول والاغتسال وسواها الكثير.

http://www.alitthad.com/paper.php?name=News&file=article&sid=27889