النظرية الذرية في الفلسفة الهندوسية

في كتاب النزعات المادية في الاسلام، للكاتب الشهيد حسين مروة نجد اشارة الى النظرية الذرية في الفلسفة الاغريقية والهندوسية ويبدأ من أن” ابو الهذيل العلاف أول المفكريين في العهد الاسلامي المستخدمين للنظرية الذرية الوافدة من الفلسفة الهندية والفلسفة الاغريقية. استخدمت نظرية للرد على زينون الآلي ومن ينفي وجود الحركة وينفي إمكانية التفكير بالحركة. مؤسسها ليوسبس وطورها ديموقريطس. تفترض النظرية وجود جزيئات مادية غير متناهية عددياً ولكن تفترض ايضا وجود الفراغ الذي تجري فيه حركة الجزيئات جريا ازليا ابديا. (ديموقريطس في مقتطفاته وشهادة الماضي، موسكو 1935، الطبعة الروسية، المقتطف 69)”.
كما نجد اشارة الى ابيقور في جملته الشهيرة: “لاينشأ شئ من اللاشئ كما لايتحول شئ إلى اللاشئ”.

النظرية الذرية في مدرسة هندوسية
مدرسة: Nyaya Vaisheshika
Deliprasad Chattepadhyaya
توجد ستة مدارس فلسفية في الهندوسية القديمة، غير ان نيايا فيشييكا (اعلاه) ، وهي في الاصل كانت مدرستان اندمجتا في القرن الثالث قبل الميلاد، تختلف عن مثيلتها لانها عنيت بالمسألة الذرية. . ومذهبهم مشروح في كتابين ” اينابا سوطرا” و ” فايشيشكا سوطرا”. وتستخدم الفلسفة الهندوسية لهذه المدرسة نفس الفلسفة التي استخدمها اريستوطاليس غير انها أكثر غنى.. وتختلف نيايا عن اريستوطاليس بكونها اكثر منطقية في سياقها الخاص. من حيث أن فكر اتباعها يقوم على ان امتلاك الحقيقة هو المخلص من العذاب، لهذا السبب صرفوا وقتا طويلا لتحديد مصادر المعرفة واصول المعرفة للفصل بين المعرفة الحقيقية والمعرفة الباطلة.

هذه النظرية تقصد بالذرة الجزء الغير قابل للتجزئة وتقول ، بكثافتها العديدة وعدم التناهي في العدد. وهناك ثلاث صفات اساسية للذرة. تشكل بفضل شكلها وحجمها وحركتها الدائمة. كما تقول أن الحركة لاتنفصل عن المادة والجسم ليس أكثر حقيقة من الفراغ. الفراغ هو المكان والزمان يدخل في مفهوم الحركة. (جورج كونيو: المادية الاغريقية-الرومانية، السلسة الاشتراكية، باريس 1964، ص 57، محاضرات بتالوف الفلسفية، معهد العلوم الاجتماعية، موسكو).

في النصوص المبكرة المذكورة في Vaiśeṣika تذكر النظرية اربعة انواع رئيسية للماهيات هي:
التراب والماء والنار والهواء، والماهيات عبارة عن ذرات غير قابلة للتجزيئ، ولها شكلين الابدي والغير ابدي.
يفسر تشاتو بدهيايا الامر قائلا:” الشكل الابدي لهذه الماهيات هي ذراتها اما غير الابدي فيفض بها تركيبات هذه الذرات”. (تشاتو بدهيايا، تاريخ الفلسفة الهندية، موسكو 1966 ص 223-222).

هناك تيارا هنديا اخر يدعى ” الجيدنية” وهو أقدم من التيار السابق بعدة قرون، كان يعترف بالوحدة النوعية للذرة. ويقدم لنا كتاب Vaiśeṣika البرهان التالي على اختلاف نوعيات الذرات فيقول :” الجزيئات الصغيرة التي نراها من خلال تيار من ضوء الشمس ، الذي يدخل الغرفة من ثقب صغير، هي أصغر جزيئات في مجموعة ” ماهات”(mahat). غير انها بدورها مصنوعة من ثلاثة اجزاء كل واحد منها يطلق عليه ” دياد”( ارواح!!) (dyad). هذه بدورها تتألف من قسمين كل واحد منها يسمى ذرة. هذه الذرات غير قابلة للتقسيم وغير قابلة للفناء او الابادة. Chattopadhyaya 1986, sid 169-70
تأتي فكرة الذرة من ان اي مادة قابلة للتجزئة الى اجزاء أصغر. ولكن التجزئة يستحيل ان تكون غير متناهية فلابد من تحديد نهاية لها. ويعللون بأن الاعتراف بعدم تناهي التجزئة يؤدي الى الغاء الحجم للذرة حتى ليصح لنا القول مثلا بأن الذرة والجبل متساويان مادام فارق الحجم غير موجود. عدم قابلية تجزئة الذرة الى اللانهاية يعني ان الذرات غير ازلية لتصبح مسألة الخلق غير موضوعة الا بوضع مسألة الزوال، لان الاعتراف بالزوال يلازمه الاعتراف بالنشوء ( الخلق). وهذه المسألة وضعوها على الشكل التالي:” إذا كانت الذرات غير متناهية، فلاداعي لوضع مسألة بدايتها. اما الاشياء فأنها جميعا عابرة، ومعنى ذها ان لها بداية ونهاية” (حسين مروة، النزعات المادية في الاسلام،ج1، ص 707 فما بعد).

كيف نشأ العالم، لديهم؟
نيايا فيشيشكا تقول ان العالم المرئي نشأ عن طبقة من الذرات الاصلية. كتاب Vaiśeṣika Sūtra يشير الى ان الجزيئ الذي لايتجزا ازلي لايفنى كما ان الاقسام الغير ذرية بما فيها النفس التي تتجسد في الجسم ايضا لاتتجزا ولا تفنى وايضا الروح. حسب هذه السوطرة يمكن القول انه ، في لحظة الخلق، تركبت الذرات مع بعضها تحت تأثير نبض كارما لاصق في داخل الذرة نفسها، من حيث ان الحالة الازلية والاولية للذرات لاتملك مسؤولية اخلاقية تقودها الى بناء اشكال مرئية وتفاعل متبادل. كما لايمكن تفسير سبب اندفاع الذرات نحو التركيب كنتيجة لكارما الكائنات الحية الي كانت في حالة السكون قبل ظهور الكائن الى الحياة، لان هذا التفاعل خاص بذات لايمكن نقلها من ذات الى ذات عداك عن الادعاء بنقلها بين الذرات.

في فلسفة نيايا توجد مصادر للمعرفة الحقيقية ومصادر للمعرفة الوهمية، يمكن التفريق بينهم من خلال نتائج اعمالهم. العبودية واستمرارها، مثلا هي احدى الظواهر القائمة على المعرفة الوهمية، وهي معرفة يجب ازالتها والقضاء عليها من خلال المعرفة المضادة لها، التي توصلنا الى الخلاص، فالمعرفة الحقيقية وحدها الت توصلنا الى الراحة النفسية وراحة الضمير والافعال الصحيحة، ام الافعال الخاطئة فهي نابعة عن معرفة فاسدة.
حسب نيايا توجد اربعة مصادر رئيسية للمعرفة هي : الادراك، الاستدلال، المقارنة والشهادة. وبالطبع المعلومات القادمة من هذه المصادر تبقى قابلة للخطأ او الصح. لذلك يعود فلاسفة الهندوسية للبحث ،في كل مسألة على حدى، ماهي العوامل التي يجعلها صح وليس خطأ. بهذا المعنى يمكن اعتبار مدرسة الميايا الاولى في وضع قواعد التحليل، كما ان مدرسة الميايا كانت الاكثر تعمقا في وضع قواعد التحصيل العلمي.

نيايا فيشيشكا المبكرة كانت لاتتعاطى مسألة الخلق، بل وتتناقض فكرة الخلق مع افكارها بأزلية المادة. غير انه على خلفية الصراع الفكري مع البوذية، والتي هي حركة فلسفية اخلاقية ولكنها لاتؤمن بوجود خالق، واصبحت تهدد الحركة بوجودها، اضطر بعض اتباع هذه المدرسة لوضع براهين على وجود خالق، من أجل اعاقة انتشار البوذية، وفي هذه البراهين نجد انهم استخدموا رؤيتهم الذرية. قدم Nyayakusumanjali تسعة ادلة على وجود الخالق هي التالية:
1- السببية. كل سبب له مسبب وكل فعل له فاعل. ولذلك فالوجود ايضا له سبب. وسببه من ثلاث مظاهر: في كونه ذرات، وترابط الذرات، وروح الوجود. السبب النهائي لابد ان يملك معرفة مطلقة عن المادة والاحياء، ولهذا السبب لابد ان يكون إله. اي ان الخلق دليل على الخالق.
2- الاشياء متكونة من مركبات. الذرات بذاتها غير ناشطة. لذلك لابد من وجود اله ليسبب السبب الذي يجعل الذرات تسعى للالتحام مع بعضها. التحام الميت ببالحي امر غير ممكن والا ستقوم الذرات تركيب الفوضى. وهذا يكفي للبرهنة على وجود الاله.
3- الحاجة الى مساعد وداعم. اي لوحده سيسقط ولن يقف، ولذلك لابد من اله ليدعم ويحمل العالم ليقف الوجود على اقدامه والا لن يكون العالم قادر على سند بعضه البعض.
4- كل كلمة تمثل شئ محدد. هذه ارادة الاله ان شئ ما يخرج الى تصوراتنا عندما نلفظ كلمة محددة. لم يكن بالامكان لنا ان نتعلم لو لم يكن هناك ” مصدر” لهذه المعلومات. ولما كان مصدر كل العلوم هو العالم الازلي لابد ان يكون هو الاله.
5- كتاب الفيداس المقدس يتضمن العلم الخالد. انه خالي من الخطأ او الكذب. ذلك لوحده برهان على وجود العالم الازلي الذي ارسل كتاب الفيداس، ولو كان من غيره لكان فيه اخطاء وخالي من العلم. ولما كانت معلومات الانسان محدودة ولاتتضمن العلم بالماضي والحاضر والمستقبل وعلوم الاحساس. لهذا السبب لابد ان الله وحده الذي كتب كتاب فيداس، وهو برهانه الازلي المُخلد.
6- كتب المقدسات، مثل الفيداس، تخبرنا عن وجود الرب. انه ” سيد جميع الاشياء، جميع العلوم، والعالم بدواخلنا واحاسيسنا، انه السبب والمسبب ومالك الكون”. ولما كانت الفيداس كتاب علم، فأن ذلك يجعله برهان.
7- ومن الكتاب المقدس نرى ان الكون يسير بقوة قوانين الاخلاق، والتي هي عامة وشاملة ولذلك فهي موضوعية. وهذا بدوره يبرهن من جديد على وجود الاله واضع هذه القوانين.
8- وجود النفس. حسب نيايا، كل نفس هي نتائج ذرتين. الاولى تشير مباشرة الى العدد ( بمعنى الفرد المعني) في حين ان الثاني ينشأ بالمعنى بما يدل على ان له علاقة بارادة الخالق. ومن حيث انه في لحظة الخلق : الروح والذرات والمكان والزمان والاحاسيس، جميعها عناصر غير واعية، لابد ان نشوء الوعي فيها متعلق بوعي الخالق. ذلك دليل على وجوده.
9- كل واحد فينا يجني ماعملت يداه. الالم والسعادة تأتي بأعمالنا والموجود من الشجاعة والضعف تأتي من التيار الغير مرئي. وبما ان هذه القوة الغير مرئية هي غير واعية وغير عاقلة تحتاج الى من يقودها. هذه هو الله. وهذه هي براهينه.

كما انهم يبرهنون على وحدانية الخالق ايضا بالطريقة التالية: إذا افترضنا ان هذه الكائنات الالهية حجمها لانهائي وقادرة على خلق ماتشاء وازلي، عندها نجيب ان القانون المنطقي يسمح لنا بافتراض واحد فقط بهذه المواصفات، اي السيد البديع. ومن حيث أنه لايوجد ثقة بكائن الهي غير ازلي وغير عالم بكل شئ ، يترتب على ذلك انه لامجال امامنا الا منطق الاعتراف بواحد ازلي لاغير هو رب الفيدا.

وفي مقالة لأحد الزملاء*، من كتاب الهندوس المقدس (فيدا) .
هذه بعض الاعجازات العلميه في النصوص الهندوسية منذ ستة الاف عام

ـالاعجاز في دوران الارض حول الشمس و حول نفسها

“تدور الارض بطريقتين بارادة براهما. أولا، دورانها حول محورها. ثانيا، دورانها حول الشمس. يفرق الليل من النهار بسبب دوران الارض حول محورها. تتغير المواسم بسبب الدوران حول الشمس” ء فيشنو بورانا.

ـ الاعجاز في حقيقة السماء:

“السماء الزرقاء لا شئ سوي ضوء الشمس المتناثر” ء ماركانديا بورانا.

الاعجاز في معرفة الوان الطيف السبعة للضوء الابيض:

“هذه السبعة خيول هي السبع ألوان المكونة للضوء” ء ريج فيدا.

الاعجاز الكوني:

“هناك شموس في جميع الجهات، السماء الليلية مليئة بالشموس. و هناك كواكب في جميع الاتجاهات حول الشموس” ء ريج فيدا.

الاعجاز في خلق القمر:

“في المراحل الاولي لخلق الكون سقطت بعض المواد من يد براهما و اصطدمت بالارض و نتج عن ذلك خلق القمر” ء براهما بورانا.

الاعجاز في كروية كوكب الارض:

“الشمس لا تشرق و لا تغرب. حين يعتقد الناس ان الشمس تغرب فهي لا تغرب. فهي حين تصل في نهاية اليوم تفعل اثرين متضادين، الليل لما هو اسفل و النهار للناحية الاخري. و هي حين تصل لنهاية الليل تفعل اثرين متضادين، النهار لما هو اسفل و الليل للناحية الاخري. في الحقيقة، الشمس لا تغرب ابدا.” ء أيتاريا براهمانا.

“شكل الارض كالكرة المنبعجة عند القطبين” ء ريج فيدا.

“الارض مسطحة عند القطبين” ء ماركانديا بورانا.

الاعجاز في الغلاف الجوي للارض و الاوزون:

“بعد تكون كوكب الارض، خلق براهما الغلاف الجوي في سبع مجاميع (طبقات)، منذ هذا التكوين المحيطات بدأت تتكون و ظهرت الاشكال الاولي للحياة علي كوكب الارض. الغلاف الجوي خلق كجلد واقي للارض. الغلاف الجوي يحيط بالارض لارتفاع 60 ميلا، و السحب و البرق و اخريات مظاهر متصلة بها” ء شريماد بهاجواتام.