الفردانية الممزقة والهيمنة الجماعية في العالم العربي

في رائعة فرانسيس فورد كوبولا “الأب الروحي”، يتمزق البطل بين رغباته الفردانية في أن يمارس ذاته، و يحيا العالم كما يراه ويخبره، وبين انتماءاته شبه الطبيعية في جوهرها لجماعته الكبرى، العائلة بمعناها العريض الممتد، بقيمها الراسخة، وقوانينها الصارمة. يظل الفرد/البطل بعيداً عن سطوة الجماعة/العائلة محاذراً منها ومن تأثيراتها، إلى أن يقع في حبائلها، حيث تستهويه لعبة الانخراط ضمن قواعد الجماعة وتقاليدها، أو بشكلٍ أكثر تحديداً يستمتع بأمجادها وسطوتها وقيمة الانتماء لها.

يعيد الكتاب الهام الذي صدر هذا العام عن دار الساقي (مأزق “الفرد” في الشرق الأوسط)، تحرير حازم صاغية، مأساة البطل/الفرد في رائعة كوبولا، الذي يبحث عن حل لتلك الإزدواجية بين رغبته في الارتباط بذاته، والتعبير عنها، حتى لو خالف ذلك المجموع المحيط به، وبين اندراجه ضمن جماعة قوية مهيمنة وصارمة في تطبيق قوانينها عليه. يختار الكتاب كلمة الفردانية بديلاً عن الفردية ذات السمعة اللصيقة بأنانية الأفراد وإشباع نوازعهم الضيقة.

الفردانية هنا، هي تلك الرغبة الخاصة بالاحتفاء بالفرد، والاهتمام بفرادته، وقبولها ضمن الإطار الجمعي العام. وهي لا تتعارض مع التشكيلات المجتمعية المختلفة، بل تتشابك معها من خلال أطر صحية جدلية حقيقية تقبل بالوحدات الفردية الصغرى ضمن هذه التشكيلات الكبرى. وإذا كانت الشخصية الفردية تعمل لنفسها ومن أجل نفسها، مرتبطة في الوقت ذاته بالتشكيلات الاجتماعية المختلفة، فإنها، وعلى حد قول إليس فان دير بلاس تُحدث أيضاً قطعاً مع النظام المقبول اجتماعيا؛ فهى من ناحية تشتبك مع الجماعي، وتنفصل عنه في الوقت نفسه.

والعلاقة بين الفردانية والنظام الاجتماعي علاقة معقدة ومتوترة ومتباينة من مجتمع لآخر؛ ويعني ذلك أن الفردانية الواسعة النطاق التي نشاهدها ونلمسها في المجتمعات الغربية ليست إيجابية على طول الخط، كما أن المجتمعية المطبقة على المجتمعات العربية ليست سلبية على طول الخط. يرصد الكتاب من خلال مجوعة كبيرة من المؤلفين أزمة الفردانية في الشرق الأوسط بالتطبيق على مجموعة من الدول تشمل: إيران، اسرائيل، مصر، المغرب العربي، السودان، الأكراد، ولبنان. ومن خلال هذه الدراسات المختلفة، يبدو أننا جميعاً نعايش آباءً روحيين عديدين، بوجوههم الإيجابية والسلبية على السواء.

في عالمنا العربي، نحيا ، وبامتياز، هذه الحالة الخاصة بالإحساس بالتمزق الذي عانى منه بطل “الأب الروحي”. فالجماعية، بشكلها القبلي المنغلق الجامد، مازالت هى الوجه المتسيد الذي ننتمي إليه، ونحافظ عليه، ونتخذه ملاذاً آمناً ضد الآخرين. فالفرد محاصر بالأسرة، وبالجماعة، وبالشلة، وبالقبيلة، وبالطائفة، وبالحزب، وبالدولة، وبالتوجهات الدينية المنغلقة. ومن خلال كل هذه المرجعيات الجمعية تتشكل قيم وموروثات رجعية تكرس علاقاتها مع الفرد من خلال سياسة الاستبعاد. فإذا ما ارتكن الفرد للجماعة وآمن بها وبقيمها وبتوجهاتها، فهو آمن ومحصن ضد أية مجموعات أخرى قد تعتدي عليه، أو تنتقص من شأنه. أما إذا ما نازعته رغباته الفردية في التعبير عن ذاته، والخروج على الجماعة، فهو مواجه بالاستبعاد، الذي يأخذ أشكالاً عديدة، تبدأ بالنبذ والتوبيخ والوصم، وتنتهي بالسجن والتعذيب والموت. فالفرد الذي يخالف الجماعة مستبعد معنويا وفيزيقيا. وهناك العديد من الأمثلة لسياسات الاستبعاد المختلفة التي يواجهها الكتاب والأدباء والصحفيون والمفكرون العرب كل يوم.

ورغم الدور الكبير والهام الذي نوليه للأسرة الممتدة والصغيرة في عالمنا العربي، فإنها تلعب أولى أدوار القسر والترغيب والترهيب على أعضائها. فالأسرة تحدد لأبنائها مع من يتكلمون ويختلطون، وتحدد لهم تعليمهم ومهنهم، وتختار لهم زوجات المستقبل، بل إنها في الكثير من المجتمعات العربية تفرض عليهم تطليق زوجاتهم. كما أن الأسرة هى صاحبة الاستخدام الواسع النطاق للكلمة الرتيبة “عيب”؛ فطوال النهار والليل لا تُوجد سوى النواهي المرتبطة بالعيب، عيب أن تأكل هكذا!! عيب أن تتحدث هكذا!! عيب أن تتعامل مع فلان!!… إلخ مما يحيل الأبناء في النهاية إلى صور متشابهة من آبائهم المنسوخين سلفاً عن أجداد يقدسون العيب ويبجلون مرادفاته.

غني عن القول هنا أن كلمة “عيب” تلاحق الإناث في العالم العربي أضعاف ما تلاحق الذكور؛ ففي ظل هيمنة الثقافة الذكورية بمفاهيمها المغلوطة عن الفروق بين الرجل والمرأة علينا أن نتوقع كم الملاحقات الرقابية والأخلاقية التي تواجهها المرأة العربية مقارنةً بالرجل. تقتل الأسرة العربية الإبداع، تقتل التفكير الحر المنطلق، تقتل الفرادة. لا يقتصر الحال فقط على الدول العربية، فما زالت اقتصاديات شرق آسيا تعاني الأمرين من هيمنة التقاليد الأسرية الجامدة على المشروعات الاقتصادية المختلفة وتعطيلها لسهولة حركيتها وتعظيم تطورها.

لا تقف الهيمنة الجماعية عند الأسرة فقط؛ حيث يواجه الأفراد بعد ذلك هيمنة الدولة ومؤسساتها المختلفة. لقد واجهت الدول العربية منذ الخمسينيات العديد من الأنظمة العسكرية التي سحقت ما هو متوافر من فردانية جنينية، كما حدث في مصر وسورية والعراق والجزائر واليمن. ومن خلال هذه الأنظمة الشمولية العسكرية تم التفريط في قيمة الفرد وأهميته على مذابح الجماعية التي بشرت بها الأيديولوجيات العربية المختلفة. لقد أصبحت الدولة الشكل الجمعي الجديد الذي انضوى تحت لوائه الأفراد فاقدين بذلك شخصياتهم المتفردة، تارة تحت لواء القومية، وتارة أخرى تحت شعارات الحزب السياسي الواحد المتسيد.

حتى النخب المختلفة توحدت مع أهداف الدولة، وفقدت امكانية الانفصال عنها، والعمل من أجل مصالحها الخاصة المتميزة والمعبرة عن فرادة هذه النخب، وامكان تأسيسها لمشروعها الخاص المناوئ لهيمنة الدولة وأيديولوجيات الأحزاب المتسيدة. وفي هذا السياق القمعي المتواصل، زاد ارتباط الأفراد بجماعاتهم الخاصة، عائلاتهم، انتماءاتهم الدينية الضيقة، كما استعرت حدة التمايزات الدينية والعرقية المختلفة، حيث لم يعد مقبولاً التعامل مع الآخر المنتمي لمواضعات اجتماعية مختلفة.

اللافت للنظر هنا، أن حركة الأدب والابداع لم تنفصل عن هذه التحولات القمعية الضاغطة على أنفاس الفرد في الشرق الأوسط بعامة، وفي العالم العربي بخاصة. فتحت وطأة هذه الضغوط يستحيل الحديث، إلا فيما ندر، عن جنس السيرة الذاتية التي لا يعرفها العرب. فالكتابة ما زالت في عالمنا العربي رهن بالتوجه الجمعي المحدد سلفاً، أما سيرتنا الخاصة نحن، فعل الأنا الخاص بنا، فمازال مبتوراً ومرهوناً بما تمليه الأسرة والعائلة والقبيلة والحزب السياسي، والمواضعات الأخلاقية والقيمية للجماعة، غالباً الدينية، التي ننتمي إليها. ورغم ذلك، فعلى ما يبدو أن الأدب العربي، في شكليه الروائي والشعري قد مثل أهم المحاولات على صعيد العالم العربي التي استطاع من خلالها المبدعون أن يعيشوا فردانيتهم، ويحققوا شخصياتهم، بعيداً عن وطأة الجماعة، وقوانينها المحددة سلفاً. وهو ما يفسر تلك الطفرة الروائية، بالأساس، في عالمنا العربي، وذلك الإنتاج البديع والتنوع الخاص بها.

لا يسعى الكتاب عبر مقالاتهم العديدة إلى احداث التصادم الحاد والمفاجئ بين الفرد والجماعة، سواء أكانت ممثلة في الأسرة، أو القبيلة، أو الدولة، أو الحزب، أو الأقلية الدينية، بقدر ما يسعى إلى تحقيق هذه العلاقة المتفاعلة والبناءة بين كليهما، بدون أن يطغى أحدهما على الآخر ويستلبه ماهيته. فالمجتمع في حاجة لجهود الأفراد العفوية المنطلقة بدون تكبيل واستبعاد وتنكيل وتعذيب وقتل، كما أن الأفراد ذاتهم في حاجة لجماعات ينضوون تحت لوائها، يعبرون من خلالها وعنها ولها. كيف تستطيع المجتمعات العربية أن تُوجد هذه الصيغة التوفيقية المبدعة بين الفردانية والجماعية؟ ذلك ما لم يُجب عنه الكتاب بشكلٍ واضح وتفصيلي، تاركاً حيزاً ضمنياً للمواطن العربي في أن يمارس فردانيته في حقل الاشتباك اليومي الفعلي، الذي قد أصبح أكثر انفتاحاً بفعل عوامل كثيرة عما كان عليه الحال منذ سنوات قريبة.

بقلم د. صالح سليمان عبدالعظيم
كاتب مصري – جامعة عين شمس