بقلم عبد الرحمن السلمان

strong>

إن الترجمة السبعينية لكتاب العهد القديم من العبرية إلى اليونانية وثيقة تاريخية مهمة ليست كغيرها من ترجمات العهد القديم لأنها بمثابة “الأصل” لكل النسخ المعتمدة في الكنيسة الكاثوليكية، أكبر كنائس الديانية المسيحية، بل هي الأصل المباشر للترجمة اللاتينية اللاحقة المعروفة باسم Vulgata والتي منها ترجمت أسفار العهد القديم إلى لغات الأمم التي تدين بالكاثوليكية.

وأُبسِّط في تقديم المادة إفادةً للإخوان غير المتخصصين:

أولاً: كانت العبرية التوراتية مستعملة حتى حوالي القرن الخامس قبل الميلاد. بادت العبرية التوراتية كلغة محكية، وأصبحت لغة دينية فقط لا يفهمها إلا الأحبار، وحلّت الآرامية محلها بالتدريج، وبقي الحال هكذا حتى قام الإسكندر المقدوني باحتلال المشرق وبناء الإسكندرية في القرن الثالث قبل الميلاد. سكن الاسكندرية، فيمن سكنها، طائفة من اليهود الذين أصبحوا يتحدثون باليونانية. استعجم كتاب العهد القديم على هذه الطائفة اليهودية الساكنة في الإسكندرية لأن أفرادها صاروا يتحدثون اليونانية في وقت أصبحت العبرية فيه لغة دينية فقط لا يفهمها إلا الأحبار. قام هؤلاء الأحبار بترجمة أسفار العهد القديم إلى اليونانية. تسمى هذه الترجمة بالترجمة السبعينية (Septuaginta)، وهي أقدم ترجمة لكتاب العهد القديم إلى لغة أخرى.

إذاً ترجم اليهود كتاب العهد القديم إلى اليونانية لاستعمالهم الديني المخصوص بهم وذلك قبل ظهور الديانة المسيحية. فالترجمة إذاً حرفية وشملت كل الكتب التي كان كتاب العهد القديم يحتوي عليها آنذاك. وعليه فإن الترجمة السبعينية هي ترجمة يونانية للنص العبري للعهد القديم كما كان اليهود قنَّنوه واعتمدوه في القرن الثالث قبل الميلاد. ويحتوي هذا النص المعتمد لديهم على 47 سفراً.

ثانياً: نشأت الديانة المسيحية التي ترى في كتاب العهد القديم البعد التاريخي واللاهوتي لها، وأدّى هذا المعتقد إلى تشويش الأمر الديني لدى اليهود، لأن الديانة المسيحية تقسم التاريخ البشري إلى عهدين كبيرين: العهد القديم وهو عند المسيحيين العهد الذي اصطفى الله فيه آل إسرائيل والذي كان بمثابة التمهيد لمجيء المسيح عليه السلام، الذي افتتح بمجيئه عهداً جديداً للبشرية أنهى العهد العهد القديم وألغى اصطفاء الله آل إسرائيل … وأضافت العقيدة المسيحية المتعلقة بالخطيئة الأزلية بعداً دينياً عميقاً لهذا الفصل ين العهدين. وغني عن التعريف أن اليهود لا يسمون كتب العهد القديم بالعهد القديم لأنهم لا يؤمنون بالتصنيف المسيحي لديانتهم أو كتبهم ولا يؤمنون بمبدأ النسخ على الإطلاق، بل يسمونه بأسماء كثيرة أشهرها “تاناخ” (كلمة مكونة من أحرف أجزاء العهد القديم الثلاثة: التوراة، الأنبياء، الكتب) أو “مِقرأ” (اسم الآلة من “قرأ”). وقد مر معنا في مداخلة سابقة أن اليهود المستعربين كانوا يسمون كتاب العهد القديم “بالقرآن”. ومن الجدير بالذكر أن الديانة المسيحية ركّزت على تلك الأسفار من العهد القديم التي ارتأت فيها تبشيراً بمجيء المسيح عليه السلام، مثل كتاب “نبوءة عيسى بن سيراخ” وغيره مما اصطلح فيما بعد على تسميته أو تسمية بعضه بالأبوكريفا أي “الأسفار الزائفة”.

ثالثاً: سبب نشوء ديانة جديدة هي المسيحية واعتبارها أسفار اليهود المقدسة عهداً قديماً يمهد لعهد قديم ورطة كبيرة لليهود جعلتهم يراجعون أنفسهم. وأدت هذه المراجعة للذات التي أتت نتيجة للتطورات الدينية والسياسية الحاصلة آنذاك إلى إعادة تقنين كتب العهد القديم. أدت هذه العملية التي تمت في القرن الثاني للميلاد في اجتماع مشهور لأحبار اليهودية في مدينة يامنة في آسية الصغرى إلى إسقاط مجموعة من أسفار العهد القديم بحيث أصبح عدد أسفاره 36 سفراً بدلاً من 47 سفراً.

إذاً صار عندنا من الآن فصاعداً نصان للعهد القديم: واحد باليونانية، هو الترجمة السبعينية، مكون من 47 سفراً، وواحد بالعبرية، قُنِّنَ في القرن الثاني للميلاد، مكون من 36 سفراً.

رابعاً: اتخذ البروتستانت النص العبري للعهد القديم المكون من 36 سفراً نصاً معتمداً لهم، بينما اتخذ الكاثوليك النص اليوناني للعهد القديم المكون من 47 سفراً نصاً معتمداً لهم.

النتيجة المنطقية لحالة لاهوتية كهذه هي اتهام المسيحيين (ماعدا البروتستانت الذين أتوا متأخرين) لليهود بإسقاط الأسفار التي تنبأت بظهور المسيح عليه السلام من نصهم المعتمد من جهة، وتبرؤ اليهود التام من تلك الأسفار ورد الاتهام على المسيحين واتهام المسيحين بنحل تلك الأسفار وفبركتها ونسبتها إلى اليهود من جهة أخرى! وأتحفظ في هذا المجال على نسبة تلك الأسفار الزائدة أو المحذوفة بالأبوكريفا لأن الأبوكريفا مصطلح ديني أُدخِل في الاستعمال بعد ظهور المسيحية ولا ينطبق بحال على أسفار الترجمة السبعينية لأنها تمت قبل ظهور المسيحية بثلاثة قرون ولأن الأسباب العقائدية التي تدعو لاستعمال هذا المصطلح وتبرره كانت غير موجودة آنذاك!

أخيراً: عُثر بين مخطوطات البحر الميت على أصول عبرية لبعض الكتب الواردة في الترجمة السبعينية والمحذوفة من النص العبري المعتمد في القرن الثاني للميلاد، فصحت الفرضية الأولى وهي قيام الأحبار اليهود بإعادة تقنين نصهم المعتمد لديهم (ولدى البروتستانت وشهود يهوه) اليوم وذلكم في القرن الثاني للميلاد أي بعد ظهور المسيحية.

وبراءة اليهود من الكتب المحذوفة والموسومة بالأبوكريفا لا تبرئهم من التهمة التي أثبتت صحتها مكتشفات البحر الميت.

أما بخصوص ما يذكر في اختلاف الترجمات وخصوصاً العربية منها، فلي عودة إلى هذا الموضوع إن شاء الله، خصوصاً وإني أملك ترجمة عربية نادرة جداً لأسفار العهد القديم قام بها الجاؤون سعاديا بن يوسف الفيومي في القرن العاشر الميلادي، طبعها بالحروف العبرانية ديرينبورغ في باريس بين 1893 و1899، صدرت بعنوان “تفسير التوراة بالعربية”، وهي أجود من غيرها من الترجمات العربية!

وللفائدة أذكر أن هذه الترجمة هي الترجمة التي استعملها الحافظ ابن حزم الأندلسي في معرض نقده لأسفار التوراة في كتابه “الفصل في الملل والأهواء والنحل” كما ثبتب لي قطعاً من خلال مقارنة الآيات التوراتية الواردة فيه ـ والمختلفة نسبياً عن الآيات الواردة في الترجمات العربية الحديثة ـ بالآيات الواردة في ترجمة الفيومي! ولو اطلع محققا كتاب “الفصل في الملل والأهواء والنحل” (وهما الدكتور محمد إبراهيم نصر والدكتور عبدالرحمن عميرة) على ترجمة الفيومي لكفا نفسيهما عناء تصويب الآيات التوراتية التي ذكرها ابن حزم في كتابه على أساس الترجمات الحديثة. وفي ذلك خلطٌ وأي خلط!


نحن نعلم أن الكتاب المقّدس عند المسيحيين، لم يصل لشكله الحالي إلا بعد حركة الإحتجاج التي قام بها مارتن لوثر عام 1517 و انبثاق الحركة البروتستانتيّة، فهو الذي أعاد الاعتبار للتوراة (أو العهد القديم) و جمعه “للعهد الجديد” أي الأناجيل الأربعة (متى و مرقس و لوقا و يوحنا ) وسماهما معا الكتاب المقدّس ( The Bible ) وقبل هذا التاريخ لم تكن البابوية، رأس الكنيسة الكاثوليكية، تعترف بالعهد القديم (التوراة) ولم يكن يشكّل جزءا من كتابها المقدّس.

السؤال هل استبعاد التوراة من الكنيسة المسيحية كان سمة عامة لكل الكنائس و الفرق قبل 1517 أم انفردت به الغنوصية و تحت تأثيرها انتشر استبعاد التوراة و تعمّم؟

إن النص المعياري لكل الكنائس النصرانية حتى مجيء مارتن لوثر في القرن السادس عشر، هو نص الترجمة اليونانية للتوراة وكتب اليهود (الترجمة السبعينية – القرن الثالث قبل الميلاد) التي ترجمت بعد بعثة عيسى عليه السلام من اليونانية (وليس من العبرية) إلى اللاتينية (= ترجمة الفولجاتا الشهيرة). ولا يزال هذا النص هو النص المعياري للكنيسة الكاثوليكية حتى يومنا هذا. وهو مترجم بالعربية باسم (الترجمة الكاثوليكية – راجعها ابراهيم اليازجي). وهذا يعني أن الكاثوليك ومعهم الأرثوذوكس يقرؤون العهد القديم باللاتينية والإغريقية وليس لهم أي اتصال أدبي بالعبرية. وساعد أيضا كون الترجمة اليونانية القديمة خالية من الدوغمائية والألغام اللاهوتية لأنها حررت قبل ظهور النصرانية، في توسيع الهوة بين الكاثوليك والأرثوذوكس من جهة واليهود من جهة أخرى. أما مارتن لوثر فقد اعتبر العهد القديم الكاثوليكي محرفا لأن فيه أسفارا غير موجودة في الأصل العبري، فترجم الأصل العبري كما كان متاحا في القرن السادس عشر. وهذا القانون/النص البروتستانتي للكتاب المقدس (العهدين القديم والجديد) مترجم إلى العربية ويعرف فيها باسم (ترجمة فان دايك أو فان ديك أو فنديك – راجعها له بطرس البستاني).
لا تستبعد أية كنيسة نصرانية أسفار العهد القديم، لكن للبروتستانت اهتماما كبيرا بأسفار العهد القديم، أما الكاثوليك والأرثوذوكس فيعتبرون أسفار العهد القديم مقدسة بقدر ما تروي تاريخ العهد الذي أبرمه الله مع بني إسرائيل (= سمته الكنيسة: العهد القديم) والذي ألغي ببعثة عيسى عليه السلام (= سمته الكنيسة: العهد الجديد)، لكنها تلغي جميع أحكامه تقريبا (مثلا: الختان، لحم الخنزير الخ) يعني لا تقيم الكنائس المسيحية – بما فيها كنيسة البروتستانت – كلها أي وزن لشرائع التوراة والعهد القديم.